ماذا يحدث في عاليه؟  شبكات النفوذ ومدينة تُدار خارج منطق الدولة

في عاليه، لا يمكن قراءة ما يجري بوصفه سلسلة حوادث منفصلة. التوقيفات الأخيرة، والتحالفات السياسية المتبدّلة، والسيطرة على الخدمات الأساسية، والتلاعب بالأراضي والمشاعات، كلّها تشكّل أجزاء من نموذج واحد لإدارة محلية اختلطت فيه السياسة بالأمن، والخدمة العامة بالمصلحة الخاصة، إلى حدّ تآكل دور الدولة وتحويلها إلى مرجعية مُعطَّلة.
هذا التحقيق لا يصدر أحكامًا، بل يستند إلى وقائع وشهادات متقاطعة ترسم صورة واضحة عن كيفية إدارة المدينة، ومن يقرّر فيها، ومن يُحاسَب… ومن يُحمى.

التوقيفات وما تكشفه من شبكة حماية

أُوقِف مؤخرًا شخصان أساسيان من شرطة بلدية عاليه. الحدث ليس تفصيلاً أمنيًا عابرًا، بل مدخلًا إلى شبكة أوسع، إذ إنّ الموقوفين سبق أن أُوقفوا في ملفات سابقة داخل سوريا، قبل أن يتمّ تخليصهم سياسيًا وإعادتهم إلى مواقعهم.
بحسب مصادر محلية متقاطعة، جرى حينها التدخّل لإقفال الملف بغطاء وفّرته مرجعيات نافذة في المدينة.
اليوم، مع إعادة فتح الملف، يُطرح السؤال الجوهري: هل يُستكمل التحقيق هذه المرّة؟ أم يُعاد إنتاج منطق «التخليص» نفسه؟

من الخصومة إلى الصفقة

لفهم ما يجري اليوم، لا بدّ من العودة إلى الانتخابات البلدية السابقة. بحسب مصادر سياسية محلية، شهدت المدينة في تلك المرحلة توتّرًا سياسيًا وصل حدّ محاولة تشكيل لائحة مواجهة داخل المجلس البلدي، قبل أن يتحوّل هذا المسار إلى تفاهمات وتسويات أعادت ترتيب الاصطفافات.
منذ ذلك الحين، لم تعد البلدية ساحة تنافس أو محاسبة، بل مساحة إدارة مشتركة للمصالح والنفوذ، حيث تُدار الملفات بمنطق التسويات لا بمنطق القانون.

كسر محاولات التغيير: شهادة من الداخل

في تلك المرحلة، برز موقف لافت للإعلامية والأكاديمية ميرنا مراد رضوان، وهي قريبة رئيس البلدية.
بحسب رضوان، فقد أوقفت دعمها السياسي السابق، وخرجت علنًا من إطار التأييد العائلي–السياسي، متّجهة إلى دعم مجموعة من المرشحين الشباب وأصحاب الكفاءة المهنية والأكاديمية، في محاولة لتقديم خيار بلدي مختلف داخل المدينة.
إلّا أنّ هذه المحاولة، وفق شهادتها، واجهت ضغوطًا وتدخّلات سياسية وانتخابية منظّمة قبل فترة قصيرة من يوم الاقتراع، أدّت إلى إضعاف اللائحة وتفكيك تماسكها، ما حال دون قدرتها على الاستمرار كقوة متماسكة قادرة على خوض المعركة الانتخابية بجدّية.
وتؤكد رضوان أنّ الأمر لم يكن انسحابًا طبيعيًا، بل نتيجة ضغوط سياسية هدفت إلى ووأد المسار التغييري قبل أن يتحوّل إلى خيار فعلي داخل المجلس البلدي.

الخدمات والأراضي
قد يحاول البعض توصيف ما يجري في عاليه على أنه «تفاصيل حياتية»: مولدات، مياه، فاليه باركينغ، شركات دليفري. لكن هذه ليست تفاصيل، بل ملفات دولة بامتياز تقع في صلب مسؤوليات الدولة اللبنانية.
بحسب شهادات أهالٍ ومتعهدين، تسيطر شبكة نفوذ محلية على قطاعات حيوية، أبرزها:
    •    المولدات الخاصة ومنع المنافسة
    •    المياه والتغاضي عن التعديات والسرقات
    •    الأراضي والمشاعات والتلاعب بالتخطيط العمراني
    •    الفاليه باركينغ والأسواق العامة واحتكار الفضاء العام.
ويشير متعهدون إلى فرض التعامل الإجباري على المقاولين في البناء والأعمال، وكذلك في قطاع التوصيل، حيث يُفرض التعاون مع شركات محدّدة ومنع أي خيار بديل، تحت طائلة تعطيل الرخص أو فتح ملفات ضغط إدارية وأمنية. نحن هنا أمام اقتصاد ظلّ منظّم، لا فوضى عشوائية.

مدينة تُدار خارج منطق الدولة
ما يحدث في عاليه ليس حالة استثنائية، بل نموذجًا مصغّرًا عن دولة معطّلة: القانون يُجمَّد حين لا يخدم النفوذ، ويُفعَّل انتقائيًا حين يُستخدم أداة ضغط، فيما يتحوّل الصمت السياسي إلى غطاء يسمح باستمرار هذا النموذج من دون مساءلة.
توقيفات اليوم لا تمثّل نهاية المسار، بل بدايته. وما لم تُفتح ملفات الخدمات، والأراضي، والتخطيط العمراني حتى نهايتها، ستبقى عاليه مدينة تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق الدولة. هذا التحقيق يضع الوقائع في العلن، وما كُشف حتى الآن… قد لا يكون سوى جزءٍ ممّا هو مخفي. 
وفي ختام هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه: كيف ينظر وليد جنبلاط إلى ما يجري في عاليه، وهي إحدى أبرز مناطق نفوذه السياسي؟ وهل ما يحدث يتمّ بعلمه ورضاه، أم أنّه نتاج إدارة محلية تُركت تعمل من دون رقابة أو مساءلة فعلية؟ أم عجز عن فتح مواجهة داخلية في مدينة حسّاسة؟.